اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
300
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
الكناني » نسبة إلى القبيلة التي ينتسب إليها . وعلى هذه الرحلة بالذات تعتمد شهرته الأدبية بين الأجيال التالية ؛ ولو أن هذه الشهرة قد اقتصرت بالطبع على المغرب . وقد أفاد منه فائدة كبرى الجغرافيون والمؤرخون مشيرين إلى اسمه تارة ومضمنين ببساطة قطعا كبيرة منه في مصنفاتهم تارة أخرى . فمن بين الرحالة أخذ عنه العبدري وخالد بن عيسى البلوى ( حوالي عام 736 ه - 1335 ) وابن بطوطة المشهور أو راويته على الأصح 237 ؛ ومن بين المؤرخين رجع إليه ابن الخطيب والمقريزي والفاسي وأيضا المقرى 238 الذي كما هي عادته قد حفظ لنا روايات عديدة هامة منه . وتلميذ ابن جبير هو الشريشى ( توفى عام 619 ه - 1222 ) شارح مقامات الحريري المشهور الذي حفظ لنا شذورا كبيرة من رحلة أستاذه 239 . ورغما عن ذيوع صيته فإن الدوائر العلمية الأوروبية لم تعرف إلى الآن سوى مخطوطة وحيدة لرحلته موجودة بلندن ويرجع تاريخها إلى عام 875 ه - 1470 . وقبل التعرف عليها وجدت عن ابن جبير معلومات مهملة متناثرة في مصادر أخرى ؛ - - وقد أصبحت الرحلة معروفة بفضل الطبعة الجزئية لدوزى وأمارى ، وهو أمر مفهوم بالنسبة لأهمية مادته عن صقلية بالذات . ولا يخلو من طرافة أن نذكر في هذا الصدد أن الشيخ الطنطاوي « * » الذي كان يدرّس آنذاك ببطرسبرغ قد أخد طرفا في تلك الطبعة 240 . ولم تلبث الرحلة أن أصبحت في متناول الأيدي بفضل الطبعة الكاملة التي نشرها المستشرق البريطاني رايت رايت Wright ( 1852 ) في بداية نشاطه العلمي ولمّا يتجاوز سن الثانية والعشرين ، ثم بفضل الترجمة الإيطالية الجيدة بقلم اسكياباريلى Schiaparelli ( 1906 ) 241 . وبعد أكثر من نصف قرن أعاد دىخويه ( 1907 ) طبعة رايت مع تصحيحات عديدة ؛ أما المخطوطة التي تم الكشف عنها خلال تلك الفترة بفاس فإنها لم تجلب تصحيحات ذات أهمية 242 . ووفقا لمضمونها فإن « رحلة الكناني » تمثل أهمية قصوى في تصوير حياة ذلك العصر ، فهي تقدم وصفا حيا لمصر والشام عندما بدأت فيهما حركة التحرير الإسلامية ضد الصليبيين بزعامة نور الدين وصلاح الدين . وهي في هذا تقترب كثيرا من مذكرات الأمير أسامة بن منقذ ، بالرغم من الاختلاف الكبير في المنهج وطريقة العرض بين المؤلفين . وفي تحليله لرواية ابن جبير عن الشام اعترف الأب لامنز Lammens بأن ابن جبير 243 يمتاز بقوة ملاحظة نافذة . وللرحلة قيمة فريدة فيما يتعلق بتصويرها لحياة مسلمى صقلية ، ففي طريق عودته مر ابن جبير في ديسمبر من عام 1184 على ساحل صقلية الشمالي من مسينا Messina إلى ترابانى Trapani وبقي هناك إلى فبراير سنة 1185 يرقب عن كثب مظاهر الحضارة المادية والروحية لإخوته في الدين . والمهم في روايته ليس وصفه لآثار العصور الوسطى
--> ( * ) هو أستاذ مصرى اشتغل بتدريس العربية بجامعة بطرسبرغ وتوفى بها عام 1861 . وقد ترك لنا كراتشكوفسكى بحثا طريفا عن حياته ونشاطه العلمي . ( المترجم )